b4b3b2b1
والمكان إذا تنفس | وشاء الباري تعالى ان ينجوا الامام السجاد | البوسنة والبحرين وعمليات التطهير العرقي | السلطة بين الحق والعنف | الانتخابات ظاهرة صحية ولكن ما قصة المستقلين؟ | الإمام الكاظم (سلام الله عليه)... وطغاة بني العباس | الشيطان السياسي وغباء المثقف | أبو ترجية تحت قبة البرغلمان | الدولة الدستورية وسلطة القضاء | الحسين والاسلام الاموي | الفقيه الراحل... سليل العلم والاجتهاد | محطات في مسيرة القافلة الحسينية - الحلقة الأولى - |

كربلاء وفلسفة الشهادة

 

27 ذي الحجة 1428 - 07/01/2008

لا تكتسب المدن شهرتها من لاشيء، فثمة مدن يحدد حدث ما قدرها الى ما لا نهاية ويكسبها خصوصية تلتحم وكيانها التحاما عضويا وكربلاء من تلك، فهذه المدينة المطلة على الفرات من جهة، والمجاورة للصحراء من جهة أخرى شكلت قيمة تاريخية في ثورة حضارية كونية اكتسبت ديمومتها من سيد الشهداء عليه السلام، ومن الدماء الزاكيات التي اعادت رسم خارطة المدينة الحدث.

استطاعت كربلاء أن تتمثل حركة الثورة النهضوية ليعاد على أرضها رد الاعتبار للعقيدة الاسلامية بعد ان تم الانحراف بها بعيدا عن المسار الرسالي ولتكتسب كربلاء معاني اخرى حددتها قيم الشهادة المستمدة من قيم الشريعة ومنهجية الحفاظ عليها تأسيسا لاستمراريتها.

من هنا يتخذ التاريخ موقفا ابتسمولوجيا من ناحية ارتباط الامة بالشريعة، وهو ارتباط بنيوي بإعتبار حركية الشريعة الإسلامية كونها شريعة تطبيقية تهدف لغايات عليا، تتمثل في تحقيق سعادة الإنسان وتنظيم علاقاته بالخالق والوجود، تلك الحركية التي تنفي عنها السقوط في مهاوي الجمود والتردي في مواقف الرأي والقياس، ويتخذ الحفاظ على الشريعة اتجاهات عدة تعتمد في منهجيتها على ظروف الزمان والمكان وحجم الأذى الذي تعرضت له، ولكن المعنى الاهم يتضح في حال ان يحاط بالشريعة ويتم تحريفها والتعامل معها بالاهواء مما يبعد المجتمعات عن الاستفادة منها بعد ان يتم الانحراف بالامة بعيدا عن المسار الاصيل للشريعة السمحاء باعتماد الاهواء، كما في مراحل عديدة في حركة التاريخ تكرست في عصر يزيد بن معاوية، حيث تحولت قيم الشريعة على يديه الى مجرد صراع سلطوي مما سلب الامة ارادتها في تحقيق غايات الشريعة العليا، ومن هنا تصبح الشهادة السبيل الوحيد لاعادة الامة الى المسار الحقيقي وتخليص الشريعة مما علق بها من احكام ومظاهر لاتمت لاصالتها بشيء، لاعتبارات الشكل البنيوي للعلاقة بين الامة والشريعة، ولاعتبار ان صيانة الشريعة قيمة عقائدية تكتسب اهميتها من خلال موقف الانسان من التاريخ باعتبار الانسان صانعا للتاريخ، اذ ان الشريعة تعتبر ان العلاقة بين الانسان والعقيدة من الثوابت، فالعقيدة تؤثر في سلوك الانسان وترتب ذهنيته باعتبارها عنصر اساسي في تشكيل معالم حركته.

وهكذا يمكن فهم الاندفاع نحو الاستشهاد من خلال القيمة العقائدية للفرد، وللامة، عبر استيعاب حجم المفهوم القيمي للشهادة في اعادة انبعاث الامة لادراك حكمة الشريعة في فهمها للعلاقة بين الانسان والعقيدة، فالانسان الرسالي يكون على الاستمرار مهيأ نفسيا وعقائديا للشهادة، عندما تصبح هذه مشروعا بنائيا للقيم، وتعبويا للمجتمع، فالشهادة ليست مجرد قيمة اخلاقية، اجتماعية، او مفهوم عرفي، بل هي منهج رسالي يتطلع منه الانسان الى مثل عليا يحقق من خلالها ترابطا عضويا يربط عالم الشهادة(الحياة المنظورة) بالغيب، وتعيد ترتيب فهم الانسان للشريعة وللعقيدة في آن واحد عبر التجلي الواقعي للعقيدة في لحظة الاستشهاد، فالشهيد يمثل الشكل الانقى في ادراك معنى العقيدة مقتربا بذلك من الكمال القيمي للانبياء والرسل والاوصياء.

فقد قال تعالى شانه: (ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) [سورة: النساء/69] مما يوثق القيمة الفعلية للشهادة باعتبارها نصا الهيا نحو تحقيق غايات عليا، ومن جلنب آخر تمثل الشهادة عهدا فعليا وميثاقا واقعيا بين الإنسان والخالق، كسنة ازلية ومستمرة عبر حركة التاريخ تشكل ميزة خص بها الله بعض عباده الذين اختاروا الدفاع عن القيم السماوية ليكونوا مراكز إشعاع لأممهم عبر العصور على سبيل الحفاظ على الشريعة مضحين في سبيلها بالنفس والمال.

وقد جعل الله هذا العقد عقد مبايعة وشراء فمثل ذلك في قوله عزوجل: (إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن اوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك الفوز العظيم) [سورة:التوبة/ 111].

من المهم ان نلاحظ أن هذا العهد او العقد هو بين الله والمؤمنين، إذ إن الإيمان من شروط الشهادة، و لا يكون الشهيد الا من المؤمنين لعدم إمكانية تحقق فهم الإنسان لقيمة الشهادة كعامل أساس في حفظ الشريعة، أو لإعادة ترتيب علاقة الإنسان بالخالق وفق المعايير الإلهية إلا من قبل من اخلص نفسه لله على سبيل ادراك ان الله تعالى شانه ليس مفهوما مجردا على الطريقة " الهيجيلية " بل انه وكما يعرف يصف نفسه " حي قيوم، سميع بصير، رحمن رحيم، خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير".

عند هذه النقطة يمكن فهم عظمة شهداء كربلاء الحسين، شهداء العقيدة والايمان، شهداء ثورة التنوير، ثورة استنهاض العقل الجمعي من حالة الركود واللاتوازن، الى حالة السعي المستمر لتحقيق الذات عبر التاييد الالهي، فاللشهادة قيمة عليا تتجذر عند حدود الطاعة المطلقة، فعملية التخلي عن الحياة للفوز بماهو غيبي، وغير منظور لايمكن ان تتحقق عبر فكرة مادية لاتؤمن بالعلاقة بين الغيب وترتيب متطلبات مرحلة مستقبلية تعي الامة أثارها على اثر التضحية الاستشهادية التي مثل الامام الحسين قيمتها العليا، ليس فقط باعتباره اماما معصوما، او قائدا لمرحلة تاريخية، لكن باعتبار أدراكه المطلق بان قيمومة التشريع الالهي هي المحررة للانسان من عوائق الاستلاب، وليعطي الامة هدفا اسما تسعى اليه في درب خلاصها المحفوف بالمخاطر، فكانت الثورة، وكانت الدماء، التي اعادت رسم خارطة كربلاء لتحتل موقعا لايكفي ان تحدد معالمه جغرافيا بعد ان ارتبطت عضويا بالامام الحسين بن علي واهل بيته واصحابه عليهم السلام، وبعد ان عجنت تربتها بتلكم الدماء الطواهر لتصبح كربلاء الشهادة عاملا قيميا لكل الثوار، ولكل طالبي الشهادة على مر العصور.