b4b3b2b1
السادة الأربعة المعروفون بـ (ملا آقا بابا) | سَمَرقَند | السيد حارث بن أحمد (خاك فرج) | مزار الحمزة الشرقي إطلالة قدسية في جسد الصحراء | مرقد السيِّدة فاطمة المعصومة.. المقام الشامخ والمنزلة الرفيعة | مرقد الشاه ابراهيم | مرقد السيد علي بن جعفر سلام الله عليهما (باب الجنّة) | كراتشي | مرقد السيد \"عيسى البرزنجي\" في السليمانية، أرث ديني وحضاري | مرقد الحمزة الغربي.. مشهدٌ يلوح بالإباء ويقارع الزمان بالبقاء | مرقد سيد الأوصياء.. باب مدينة العلم والسلام | الحرم الحسيني.. باب للرحمة وقبة يستجاب منها الدعاء |

إبراهيم الخليل (عليه السلام)... من المقام المقدس حتى أرض المحرقة

2301

 

23 شوال 1430 - 14/10/2009

لقد اصطفى الله عزوجل بلاد ما بين النهرين (العراق) لتكون قاعدة للعديد من أنبيائه في تبليغ رسالاته الى الناس، وروضة تحتضن بين ثناياها الشهداء والصديقين من اوليائه ليكونوا قبلة للأحرار والمؤمنين المتلهفين للقائه بقلوب مطمئنة، ومتحفا كبيرا يضم في ارجائه تاريخا حافلا بسجل الأنسان القديم وآثاره في مختلف الأزمنة والدهور والتي تحكي بصورة واضحة قصته مع الحضارة على مختلف اسمائها.

ومن تلك الآثار الشاخصة أرض برس (بورسيا)، وهي قرية في أرض بابل، وتحديدا بين الكوفة والحلة، وبورسيا هو الأسم الأقدم للمنطقة كما يقول المؤرخون، حيث تضم مقام نبي الله ابراهيم (عليه السلام) وعلى مقربة منه صرح النمرود، التي تحكي قصة ابراهيم الخليل (عليه السلام) أو ما يعرف بأرض المحرقة.

وقبل الدخول في الحديث عن تفاصيل المقام المقدس لابد من التعريج الى حياة خليل الباري تعالى، ابراهيم (عليه السلام).

المتتبع لحياة نبي الله ابراهيم عليه السلام يلاحظ كيف حفت به الرحمة منذ ولادته بل قبل ان يولد حيث كان حملاً كان موضعاً لعناية السماء، ولعل بُعد عصر النبي إبراهيم عليه السلام عن عصر التدوين الإسلامي احدث كثيراً من الثغرات والمبهمات خصوصاً وأن الإسرائيليات أخذت مأخذها من هذا التدوين.

فابراهيم عليه السلام هو بن تارخ بن ناحور بن سروخ بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن ارفخشد بن سام .

أختلفت الأراء حول شخصية والد إبراهيم عليه السلام فمنهم من قال ان آزر هو والده وآخرون قالوا ان والده تارخ وقد ذهب اصحاب الراي الاول الى ما ورد في الآية الكريمة (إذ قال ابراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني اراك وقومك في ضلال مبين) وأما اصحاب الراي الثاني فقد قالوا إن أزر عمه وليس ابيه لأن أباه تارخ فقد نقل الافاضل انه لا خلاف بين النسابين ان اسم والد ابراهيم تارخ وهذا غير مستبعد لاشتهار تسمية العم بالأب في الزمن السابق وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله ذلك بقوله: (لم يزل ينقلني الله من اصلاب الطاهرين الى ارحام الطاهرات، حتى اخرجني في عالمكم هذا ، لم يدنسني بدنس الجاهلية ) ولو كان في آبائه كافر لم يصف جميعهم بالطهارة ، مع قوله تعالى :(انما المشركون نجس).

وقد ذكرت بعض الروايات ان (تارخ) والد ابراهيم قبل ان يولد ولده ،انتقلت ام ابراهيم (عليه السلام) الى دار شقيق زوجها (آزر) وهي حامل به.

وقد ذكرت بعض الروايات ان (تارخ) والد ابراهيم قبل ان يولد ولده ،انتقلت ام ابراهيم (عليه السلام) الى دار شقيق زوجها (آزر) وهي حامل بإبراهيم (عليه السلام ) كان يوم الأول من ذي الحجة يوما مميزا إذ ولد ابراهيم (عليه السلام ).

(( بلغنا والله اعلم أن الضحاك هو النمرود وان إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه )) .

وحدثت عن هشام بن محمد وقال :(( أختلف في الموضع الذي كان منه والموضع الذي ولد فيه فقال بعضهم كان مولده بالسوس من أرض الأحواز وقال بعضهم كان مولده ببابل من ارض السواد ، وقال بعضهم كان مولده في الوركاء بناحية الزوابي وحدود كسكر ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثي ، وقال بعضهم كان مولده بحران ولكن أباه تارح نقله إلى ارض بابل ، وقال عامة السلف من أهل العلم كان مولد إبراهيم الخليل (عليه السلام) في عهد النمرود بن كوش وقد أرسله الله الى قوم النمرود الكافر ، وقد أجمع الناس على ثلاثة ملوك ( نمرود وذي القرنين وسليمان بن داود (عليه السلام)) ، وقال بعضهم إن النمرود هو الضحاك نفسه .

(( وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح)).

أما ولادته فيضيف إلى ذلك ويقول :ذكر الطبري نسبه وقال :لقد نقله أبوه إلى مدينة بورسيبا (برس) لكي يجاور النمرود ويتعلم على الحكم واللغة النبطية ويكون قريب إلى معبد بورسيبا الذي كان اكبر المعابد في هذه المنطقة في تلك الفترة ، وقد اختلف الباحثون في مكان ولادته فمنهم من ذكر كوش ومنهم من ذكر أور ومنهم من ذكر آرام النهرين ، وكانوا يعتقدون إن مدينة آرام النهرين تقع في سوريا ، ولكن تمكن أستاذنا مهنا رباط من تحديدها وتعيين موقعها في شمال كربلاء.

كانت لغة إبراهيم الخليل عليه السلام هي لغة قبيلته الآرامية وينتسبون إلى ارم بن سام عليه السلام ، وبهذا يكون من مواليد العراق ، في مدينة النهرين (كربلاء) .

وتنتمي لقبائل الآرامية التي عمرت بلاد النهرين ( أرام النهرين ) وتقع هذه المدينة في النصف الأعلى من مدينة كربلاء الحالية بين نهري فيشون ( الفرات القديم ) وجيحون ( كري سعده ) .

اما الحموي فيشير قائلا : كوثى بالعراق في موضعين كوثى الطريق وكوثى ربا وبها مشهد ابراهيم الخليل وهما قريتان بينهما تلول من رماد، يقال انها رماد النار التي اوقدها نمرود لا حراقه وعليه فابراهيم ولد في قرية كوثى ربا واما كوثى الاخرى فهي بالقرب منها على ان كوثى ربا قد صحفت واصبحت في بعض الكتب كوثاريا وعليه فان الاحتمال الاقرب للصحة كون المقام الموجود الآن بالقرب من مدينة الحلة هو مقام ولادة ابراهيم الخليل عليه السلام كما ان هذه القرية ( أي كوثى ربا) كانت تقسم الى مناطق اصغر حيث تنقل الرواية (قيل ان اول من تكلم بالعبرانية ابراهيم الخليل عليه السلام بعد ان خرج من قريته المعروفة بــ أوركشد من بلاد كوثى من خنيرت وهو اقليم بابل ) وفي اوركشد دلالة على اور الكلدانيين.

(كوثى ، كوثى ربا ، كوثاريا)، وهذه الأسماء كلها تدل على نفس المنطقة وقد سكنها النبط فعن ابن عباس قال : (نحن معاشر قريش من النبط من أهل كوثى)، وقد بين البحراني قائلاً : لأن ابراهيم الخليل ولد بها وكان النبط سكانها وقال آخر كوثى سرة السواد بها ولد ابراهيم الخليل عليه السلام.

1. كوثى: نصت اغلب كتب التاريخ والآثار والبلدان على ان مدينة كوثى هي محل ولادة النبي ابراهيم عليه السلام والتي تعرف اليوم بـ قرية ابراهيم الخليل والواقعة ضمنا تحت اسم آثار برس وهناك عدة اقوال نعرض لها في ذكر هذه المدينة.

وهناك إشارة أخرى لمدينة ابراهيم في العراق وهي: (كان ابراهيم فتى من اهل فدان أرام بالعراق كما في التوراة وكان قومه أهل أوثان).

2. حران : قال الزبيدي في معجمه : وهي بلدة بالجزيرة بناها هاران أخو أبراهيم ووالد لوط النبي عليه السلام (وبه ولد سيدنا إبراهيم الخليلا عليه السلام)، وهي مدينة عظيمة مشهورة في الشام على طريق الموصل ــ الشام.

وقد ورد ذكر أور في العهد القديم كونها ميلاد تارخ وهو ابو ابراهيم الخليل عليه السلام ومنها نزح الخليل عليه السلام الى فلسطين,

وهنا نلاحظ الخلط حيث ان ابراهيم عليه السلام ولد وتبرأ من الاصنام وألقي في النار في نفس المنطقة ثم بعدها هاجر الى حران فكيف ترك أهله وقومه اصحاب الاوثان وجاء الى أور الكلدانيين (كوثي) وفيها ألقي في النار.

يقول الدكتور حسن الحكيم: أن أور الكلدانيين هي الأقرب الى المكان الذي ولد فخيه أبراهيم عليه السلام إلا أن عبد الوهاب النجار يذكر : (وكانت رحلته الى أور الكلدانيين اي (كوثي) ــ ثم حاران (حران) فقد تبرأ ابراهيم عليه السلام من أبيه ولم يطب له المقام بين أهله وقومه فذهب الى أور الكلدانيين وهي مدينة كانت قرب الشاطئ الغربي للفرات.

3. أور قال حرز الديم في مراقد المعارف: (ان مولده اي ابراهيم عليه السلام كان بذي قار ــ المقير ــ أور) في قرى ومدن الكلدانيين واليوم هو من سواد العراق قرب مدينة الناصرية، أحد ألوية العراق في أراضي المنتفك .

الملاحظ ان الكلدانيين لم يسكنوا يوما تلك الاراضي فـ(أور ) كانت مسكنا للسومريين .

4. الوركاء : قال ياقوت ايضا هو موضع بناحية الروابي ولد بها ابراهيم عليه السلام وهو من حدود كسكر وكسكر هذه هي واسط القصبة بين الكوفة والبصرة ، وقيل قرب البصرة والظاهر اليوم يطلق عليه آثار الوركاء بين السماوة والناصرية .

5. غوطة دمشق : قال ياقوت في معجمه : ولد إبراهيم عليه السلام في قرية من قرى الغوطة يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون ثم قال والصحيح انه ولد في بابل وانما نسب اليه هذا المقام لانه صلى فيه اذ جاء معينا للنبي لوط عليه السلام.

في القرن التاسع عشر قبل الميلاد أي قبل حوالي لأربعة ألاف سنة ، وقد حدد المسعودي الفترة بين عهد إبراهيم الخليل وبين عهد موسى من مصر بخمس مئة وسبع وستين سنة ، ولما كان العلماء قد توصلوا إلى تعين زمن الخروج بالقرن الثالث عشر قبل الميلاد فيكون هذا التحديد مطابقا تماما لما توصل إليه العلماء بتعيين زمن إبراهيم الخليل في القرن التاسع عشر قبل الميلاد ، ويتفق المؤرخون على إن مولده في العراق ، وقد جاء ذكر إبراهيم الخليل مقرونا بعهد الملك نمرود ، ولما نادى إبراهيم الخليل بعقيدة التوحيد بين قومه الوثنيين لاقى أنواع الاضطهاد والتعذيب خرج منها سالما، ثم دحر نمرود بينما سار إبراهيم الخليل وإتباعه إلى حوران ( حران حاليا ) ومنها إلى ارض كنعان ، وقد اجتاحت البلاد موجة من القحط والغلاء فانحدر إبراهيم هذه المرة إلى مصر، وقد وقع نزاع بين رعاة إبراهيم ورعاة لوط أدى إلى انفصالهما فاختار لوط أن يرحل إلى سهل الأردن حيث كان ( سدوم وعمورة ).

أما اسمه فهو سرياني ومعناه بالعربية – أب رحيم وهو نبي الله وخليله – وجعله الله من أولي العزم وهو أبو الأنبياء ، وانزل الله عليه عشرون صحيفة.

وتزوج إبراهيم الخليل ثلاثة نساء كل منهما :-

1- هاجر المصرية : ولدت له إسماعيل

2- سارة ابنة عمه : ولدت له إسحاق

3- قنطوراء : ولدت له ( مرق ونفس ومدن ومدين وسنان وسرح ، هؤلاء هم بني إبراهيم الخليل عليه السلام .

وكان ظهور إبرام ( إبراهيم الخليل ) على مسرح الأحداث في بابل حوالي القرن التاسع عشر قبل الميلاد داعيا إلى عبادة الإله الواحد ( الإله أيل ) (الله ) خالق السموات والأرض بين أبناء قومه الوثنيين، فلاقى من جراء دعوته أشد الأضظهاد على يد النمرود في مدينة برس ، وبرس هي برس نمرود وهو الاسم المحرف من الاسم البابلي ( بورسيبا ) أو (بارسبا ) .

وجاءت في التلمود بصورة برسي وبرسيب ، وقد انتقلت هذه اللفظة إلى الجغرافيين العرب وذكرها ياقوت الحموي في معجمه في مادة برس.

وتقع خرائب برس ( تل إبراهيم الخليل ) جنوب بابل ، وعن الحلة جنوبها – على نحو 9 – 10 أميال – كما تقع شرقي مدينة سورا – كربلاء- القديمة وقد كانت هذه المدينة من ضواحي بابل في بداية الإلف الثانية قبل الميلاد ، أي بعد تأسيس بابل وكذلك مدينة النهرين ، وكانت قرية كربلاء تابعة لها من الناحية الإدارية وقد اشتهرت هذه القرية في كونها مركز عبادة الإله الواحد ( الإله أيل ).

إما بورسيبا فكانت مركز عبادة الإله البابلي ( نبو ) الذي عبده العراقيين القدماء وعدوه اله الحكمة والمعرفة ابن مردوخ اله بابل الشهير وسمي معبده في بورسيبا بالاسم السومري ، ويوجد صرح برس لايزال مرتفعا رغم سقوط النصف الأعلى منه ، وهو برج كبير ومرتفع ، كما توجد تلال كثيرة تقع شرقه تسمى تلال إبراهيم الخليل (عليه السلام) ومزار بني حديثا على هذه التلال يعزى إلى كونه مقام إبراهيم الخليل ، وقد ضلت هذه المدينة مأهولة حتى العهد الإسلامي، كما ذكر ابن بطوطة إن مولده برس ومحاولة النمرود لحرق إبراهيم الخليل .

وقال أهل العلم لما شب إبراهيم الخليل (عليه السلام) وهو في السرب قال لامه من أبي ؟ قالت أنا ! قال فمن ربك ؟ قال أبوك ! قال فمن رب أبي ؟ قالت له نمرود ! قال فمن رب نمرود ؟ قالت له أسكت !!.

بعد محاولة حرقه في برس من قبل النمرود ، وملاحقته ، وملاقاته أشد العذاب والاضطهاد من قبل أبناء قومه الوثنيين الآراميين من جراء دعوته هذه إلى توحيد الآلهة ، أضطر إلى الهجرة هو وأتباعه فرحل من مدينة برس إلى مدينة النهرين ( ارام النهرين ) في كربلاء حيث مقر عشيرته ومنها هاجر عبر الفرات إلى مدينة حران وبلاد الشام بعد أن مكث في دمشق مدة من الزمن ، قيل أنه ملك فيها وثم رحل إلى أرض كنعان ، وأستمر في السكن في أرض كنعان حتى اجتاحت أرض كنعان موجة من القحط والغلاء ، مما أضطر أن يرحل عنها إلى مصر وأقام فيها فترة فصار له ثروة كبيرة ثم غادر مرة أخرى إلى أرض كنعان وأقام في جبرون ( الخليل حاليا )، وورد في قصص الأنبياء عن ابن إسحاق وقال : (( خرج إبراهيم الخليل (عليه السلام) من كوثا من أرض العراق مهاجر إلى ربه عز وجل وخرج معه لوط وسارة عليها السلام ، فخرج حتى نزل حران ، فمكث بها ثم خرج إلى مصر ثم خرج من مصر إلى الشام فنزل السبع في ارض كنعان وهي برية الشام )) .

وقال أهل العلم: فلما خرج إبراهيم الخليل (عليه السلام) من كوثا من أرض العراق مهاجر إلى ربه عز وجل خرج معه لوط (عليه السلام) ، وسارة بعد إن تزوجها وهي ابنة عمه ، وخرج بهما يتلمس الفرار بدينه والأمان على عبادته لربه حتى مكث في حران ومنها إلى مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى ، ثم وهب إلى إبراهيم هاجر وهي جارية ورزق الله منها ولدا سمي بإسماعيل ، ثم حملت سارة وولدت بإسحاق .

فقد غضبت سارة ابنة عمه من هاجر عندما ولدت إسماعيل ثم أمر الله أن يسكنها وأبنها في مكة فذهب بها إبراهيم حتى قدم مكة ، وكان فيها ناس يقال لهم العماليق وموضع البيت ربوة حمراء، وكبر إسماعيل وماتت هاجر وتزوج إسماعيل من جرهم ، وأخذ لسانهم فتعرب بهم وأولاده العرب المتعربة ثم تزوج إسماعيل مرة أخرى بأمراة من جرهم يقال لها السيدة بنت مضاض بن عمر الجر همي.

يتفق الخبراء على إن إبراهيم الخليل سلك طريق الفرات في رحلته من أور إلى حران، وهو الطريق الذي كانت تسلكه القوافل، وكانت مع إبراهيم الخليل جماعته وممتلكاته من قطعان الأغنام والمعز والحمير والجمال، ومعه لوطا أيضا فيكون قد قطع في هذه الرحلة 560 ميلا بين أور وحران، وبعدها غادر حران متوجها إلى دمشق بطريق تدمر ومنه إلى فلسطين قاطعا مسافة حوالي 600 ميل أخرى من حران إلى كنعان، أما الطريق الذي سلكه إلى مصر فهو اختراق صحراء شبه جزيرة سيناء حيث القبائل الميدانية والقينية.

أن إبراهيم الخليل (عليه السلام) قد سلك الفرات القديم (فرات كربلاء) وعلى الضفة اليمنى لهذا النهر، حيث كان لوط (عليه السلام) جنوب مدينة سورا ومنها إلى كربلاء حتى وصل شريعة الصليب وكربلاء القديمة التي تبعد عن بحيرة الرزازة حوالي عشرة كيلومترات وثم أرتفع مع الفرات حتى الفلوجة ومنها إلى حران.

وذكر المسعودي وقال:(( خرج إبراهيم ومعه ابن أخيه لوط بن هارون ، ومعه ابنة عمه سارة، من حران إلى الشام ، فوجدوا جوعا عظيما ، فسار إلى مصر، وفرعونا إذ ذاك ، سنان بن علوان وأقاموا بها ثلاث أشهر ورجعوا إلى الشام وقد أهدى سنان فرعون مصر هاجر، فنزلوا المسبع من ارض فلسطين وفارقه لوط وسكن سدوم ، ثم تحول إبراهيم ونزل بين الرملة والياء، فلما بلغ إبراهيم خمسا وثمانين سنة، وهب له سارة جاريتها هاجر إلى إبراهيم الخليل، فولدت منه إسماعيل، وله ست وثمانون سنة، وأختين وله تسع وتسعون سنة، ثم اختتن ابنه إسماعيل وبعد ولادة إسماعيل ولدت زوجته سارة ابنة عمه ولدا أسمته إسحاق وكان عمر إبراهيم مائة سنة، وكان إبراهيم الخليل وابنة عمه سارة آراميان ثم انزل الله عليه عشر صحائف، ومات إبراهيم الخليل وله مائة وخمس وسبعون سنة وماتت سارة ولها مائة وتسع وعشرون سنة، ودفن في مزرعة جبرون من ارض الشام... وقيل غير ذلك والله أعلم.

في كون هذا المقام هو محل ولادته ام مكان اقامته ام سجنه الذي سجنه فيه نمرود بعد ان كسر الاصنام وعاب على من يعبدونها كما يتحدث البعض عن هذا المقام بنسبته الى ابراهيم عليه السلام دون تخصيص للمكان فيذكر الشيخ حمود الساعدي قائلا: ( يوجد اليوم في سفح تل برس من جهته الشرقية قبر تعلوه قبة بيضاء ينزل اليه بعدة سلالم ينسب الى ابراهيم الخليل عليه السلام).

اما حرز الدين فيقول: (هو مقام يؤثر لإبراهيم عليه السلام وهو الذي وجد فيه بعد خمود نار نمرود قائما يعبد الله تعالى في روضة ويقع هذا المقام على تل عال بالقرب من تل نمرود ــ البرج).

المقام عبارة عن مجمع متكامل حيث الصحن ذو الفسحة الواسعة يمكن الدخول اليه من خلال المدخل الذي يتوسط الواجهة الامامية للمقام.

يتركز موقع المقام في منتصف الصحن ويحتوي موقع المقام على رواق يحيط بمركز المقام من جوانبه الاربعة يغطي مساحة 256م 2 وتطل منه على الصحن بابان احداهما المدخل الرئيسي لمركز المقام والاخرى تقع في الجهة المقابلة لهذا المركز.

أما الحرم الداخلي للمقام فهو عبارة عن حجرة يتم الدخول اليها بعد ان نرتقي اربعة درجات تقع في الجهة الداخلية للحرم، المقابلة للمدخل سلم ذو سبعة عشرة درجات تؤدي بك نزولا الى المغارة التي ولد فيها ابراهيم الخليل عليه السلام والمغارة بنفس مساحة الحجرة التي تعلوها بابعاد 42 م2 وفي احد جوانب المغارة المقابل للسلم نلاحظ صندوق خشبي ملاصق للحائط يطل بشباكين على وسط المغارة وبشباك واحد على الجانبين الآخرين اما ابعاده فهي 1م عرضا و2،5 طولاً و 3م ارتفاعاً يوجد بداخلة صخرة (0،5 م× 0،5م) تحوي على ثقوب صغيرة يقال انها الصغرة التي ولد عليها ابراهيم.

وقيل هي الصخرة التي اغلقت بها ام ابراهيم المغارة بعد ان وضعت ابنها في داخلها وعلى مسافة مترين او اقل من هذا الصندوق لا حظنا عند السقف فتحة تطل على الرواق الموجود في الاعلى بابعاد (0،5 م× 0،5م) وعندما أستفهمنا من الاخ التميمي قال لنا: ان هذه الفتحة معروفة عندنا عن طريق اجدادنا انها طريق الملائكة الذين هبطوا لحماية ابراهيم عليه السلام من كيد الكائدين).

كما تعلوها قطعة من القماش كتب عليها (غار النور ولادة نبي الله ابراهيم الخليل) وفي الجهة المقابلة لهذا الصندوق في الزواية اليمنى البعيدة من الغار أشار مرشدنا الأخ التميمي قائلاً : ان تحت هذه الزواية قبر لعالم من العلماء وعندما استفهمنا عنه عرفنا انه قبر الحافظ رجب البرسي الذي ذكرناه آنفا.

وقد اكد لنا احد من التقينا من اهل تلك المنقطة (ان ترميمات جرت قبل عشرين او ثلاثين سنة في هذا المقام)، وعندما وصل العمال الى هذه الزاوية وجدوا قبرا فعندما فتحوا القبر واذا الشيخ وكانه دفن منذ ساعة طري الجسد وقد تتبعنا محل وفاته في الكتب فلم نعثر عليه.

تعلو الحرم الداخلي قبة خضراء بارتفاع عشرة امتار وبقطر (5م) كتب على طوقها آية (واذ يرفع ابراهيم القواعد .....) حدثنا الاخ التميمي عنها انها بنيت عام 1963م وهي اليوم بوضع غير جيد تحتاج الى ازالة كلية وانشاء جديد.

على بعد كيلو متر تقريبا أو اقل من ذلك يترائ لك صرح نمرود، وهو نمرود بن كنعان بن سنحاريب ابن نمرود بن حام بن نوح وقد ولد ابراهيم عليه السلام في عهده وكان نمرود قد ملك الشرق والغرب رابع اربعة ملكوا هذا الملك وهم (ذو القرنين، وسليمان ابن داود ، وبخت نصر).

اما نمرود فقد استعبد اهل كوثى وفرض عليهم نفسه ربا ولضعف ثقافتهم وسخافة عقولهم وقلة تفكيرهم اتخذوه مع اصنام لهم اربابا من دون الله توجهوا اليه والى اصنامهم بالعبادة وراحوا يؤدون اليهم الخضوع والخشوع.

وقد نسب هذا الصرح الى نمرود والظاهر ان هذا الصرح كان بناءه مشيدا على طراز الزقورة المعروفة عند السومرين وكانت مركزا لمدينة برس قال الحموي : (واجمة برس بحضرة الصرح صرح نمرود بن كنعان بارض بابل)، اما القرطبي فقد قال : (ان نمرود بنى ضرحا طوله ثمانون ذراعا وعرضه اربعون ذراعا)، يذكر الشيخ حمود الساعدي عند ذكره اخبار مدينة برس : وبرس تل اثري كبير يبلغ ارتفاعه عن سطح الارض زهاء 44 م ثم يقوم فوق ذروته بناء آجري منتصب الى علو 50 ــ 12 مترا يمثل خرائب زقورة تعود الة معبد ايزيدا المكرس للاله نابو ابن اله البابليين مردوخ ويرجح الى ان تاريخ انشاء هذا المعبد يرجع الى عهد نبوخذ نصر يقع هذا التل التاريخي المسمى برس على بعد 15 كيلوا مترا جنوبي غربي الحلة على يمين الذاهب من الحلة الى الكوفة وفي الحديث الوارد لم نلحظ ذكرا لنمرود ولعل المراد بــ(نابو) هو نمرود نفسه.

يروى ان نمرود كان قد اوهم الناس انه إلههم وقد امر البنائين بان يجعلوا مجرى الماء الرئيسي للمدينة يمر من خلال قصره من هذه الفتحات التي تلاحظوها فاذا غضب على اهل البيت سد الماء عليهم فياتون اليه معتقدين انه منع الماء باعتباره إله النماء والخصب لديهم فيقدمون القرابين اليه وقيل ان هذه الثقوب قد وضعت لغرض معماري حيث تمر خلالها الرياح مام يؤدي الى تطييب الهواء داخل البناء وانتعاشه.

وللعقاد رأي في هذا البناء فيقول ان نمرود اراد لن يتحدى إله ابراهيم فبنى لنفسه برجا عاليا وصعد عليه ليناجز الله في سمائه ثم طفق يرمي السماء بالسهام حتى عاد اليه سهم منها وقد اصطبغ بالبخيخ الاحمر فخيل اليه انه اصاب مرماه ولكنه لم يلبث ان سقط على الأرض وسقط معه قومه ونهضوا من سقطتهم يتصايحون بكلام لا يفهمونه ،لأن السماء ارسلت عليهم سهاما زلزلت البرج وقوضت أركانه وتركتهم في حيرة لا يدرون ما يفعلون .

ويطل هذا البرج على بقايا بيوت تحيط به يبدو انها كانت مبنية من الطين وهي تابعة لحاشية نمرود وزبانيته .

أرض المحرقة

لقد كان سبب إحراق ابراهيم (عليه السلام )كما تشير الروايات ان نمرود خرج وجميع اهل مملكتهم الى لهم وكره ان يخرج إبراهيم (عليه السلام ) معهم ، فوكله نمرود ببيت الأصنام ، فلما ذهبوا عمد ابراهيم (عليه السلام ) الى طعام فادخله بيت اصنامهم ، فكان يدني صنم من صنم فيقول له كل وتكلم فإذا لم يجبه ، اتخذ القدوم فكسر يده ورجله ، حتى فعل ذلك بجميع الأصنام ، ثم علق القدوم ( الفأس ) في عنق الكبير منهم الذي كان في الصدر ، فلما رجع الملك وقومه ، نظروا الى الأصنام متكسرة ، فقالوا : من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ، فقالوا : ها هنا فتى يذكرهم : يقال له ابراهيم وهو ابن (آزر )، فجاؤا به الى نمرود ، فقال : نمرود لـ(آزر) خنتني وكتمت هذا الولد عني ، فقال : ايها الملك هذا عمل امه ، فدعا نمرود أم ابراهيم (عليه السلام) فقال لها : ما حملك على ان تكتميني أمر هذا الغلام حتى فعل بآلهتنا ما فعل ؟ فقالت : أيها الملك نظرا مني لرعيتك ، فقال : وكيف ذلك ؟ قالت : لأني رأيتك تقتل أولاد رعيتك، فكان يذهب النسل ، فقلت إن كان هذا الذي يطلبه دفعته ليقتله، ويكف عن أولاد الناس، وإن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا ، وقد ظفرت به ، فشأنك، فكن عن أولاد الناس بصواب رأيها، ثم قال لإبراهيم عليه السلام: من فعل هذا بآلهتنا ؟ (قال فعله كبيرهم هذا فأسألوهم ان كانوا ينطقون)، قال الامام الصادق عليه السلام : (ما فعله كبيرهم وما كذب ابراهيم لأنه أنما قال فعله كبيرهم هذا ، ان نطق فلم يفعل كبيرهم هذا شيئا)، فاستشار نمرود قومه في ابراهيم عليه السلام فقالوا له : احرقوه وانصروا الهتكم ان كنتم فاعلين.

قال المؤرخون: ثم اجمع نمرود تحريقه فقال احرقوه ، قال شعيب بن الجبائي : (ان الذي قال احرقوه خسف به الارض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامه).

والظاهر ان القوم لما اجمعوا على احراق ابراهيم عليه السلام في مكان ولعل المكان الذي زرناه ــ اي المقام هو المكان الذي حبس ـــ ففي قصة فتح العراق قال ابن الجوزي: واقام سعد ببابل ايام ثم جاء (كوثي) ورئ المكان الذي حبس فيه ابراهيم وكان عام 16 هـ ) .

واستقرت فكرة احراق ابراهيم عليه السلام فكان على القوم ان يهيؤا الحطب اللازم للاشعال النار والادارة الخاصة بابقاء ابراهيم عليه السلام وسطها ، فتمثل لهم ابليس وامرهم باتخاذ المنجنيق، فعن المجلسي قدس قال: (اول منجنيق عمل في الدنيا ، منجنيق عمل لإبراهيم عليه السلام بسور الكوفة في نهر يقال له (كوثي) وفي قرية يقال لها (قنطانا).

بدأت بعدها مهمة جمع الحطب واعدوا المكان اللازم لإستعياب الكميات الهائلة في موقد لم تحدد سعة وارتفاعه ولكن من دون شك كبير وكبير جدا بحجم الانتقام الذي يغلي في الصدور ففي حين ان احراق ابراهيم عليه السلام لايحتاج الا الى كومة صغيرة من الحطب فان الحطب ارهابا لغيره وزيادة في النكاية، اوقدوا نارا ضخمة لا يستطيع الطير ان يمر فوقها خوفا من ان تحرقه ، فكان يتجنبها على مسافة فرسخ ، وعندها اخرجوا ابراهيم عليه السلام من سجنه (وكان له من العمر يومئذ 16 سنة)، واتجهوا به نحو المكان الذي وضع عليه المنجنيق كي يضعوه فيه.

ومن خلال الروايات يمكن التخمين بان المنجنيق وضع في اعلى الصرح ، صرح نمرود .ولما اصبح اليوم الذي اجمعوا فخيه على احراق ابراهيم عليه السلام قالت الخلائق : اي ربنا ابراهيم ليس في ارضك احد يعبدك غيره ايحرق بالنار؟ فأذن لنا في نصرته ، فقال رب العز جل وعلا : فان استغاث بشئ منكم فأغيثوه وان لم يدعو غيري فانا وليه ، قال الراوي : فالتقى معه جبرائيل في الهواء وقد وضع في المنجنيق فقال له: يا ابراهيم هل لك ألي من حاجة ؟ فقال له ابراهيم عليه السلام : اما اليك فلا فاما الى رب العالمين فنعم، وقد اختلفوا في الكلمة التي قالها ابراهيم عليه السلام حينما طرح في النار فمنهم من قال انه دعى بصورة الإخلاص، ومنهم من قال انه (اول كلمة قالها ابراهيم حسبي الله ونعم الوكيل) واما السندي فقال : رفع ابراهيم رأسه الى السماء وقال : (الهم انت الواحد في السماء وان الواحد في الارض، ليس في الارض احد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل).

فقذفوه فقال عزوجل: يانار كوني بردا وسلاما على ابراهيم ، قال ابن عباس لو لم يتبع بردها سلاما لمات ابراهيم من بردها ولم يبق يومئذ نار في الارض الا واطفأت ، ظنت انها هي التي تعنى .

فلما انطفأت النار، نظروا الى ابراهيم عليه السلام فاذا هو ورجل آخر معه ورأس ابراهيم عليه السلام في حجره يمسح عن وجه العرق وذكروا ان ذلك الرجل هو ملك الظل ، فاخرجوا ابراهيم عليه السلام وادخلوه على الملك قال ابن اسحاق: بعث الله ملك الظل فقعد مع ابراهيم يؤمنه ، ومنهم من قال ان جبرائيل هبط على الخليل وجلس معه يحدثه في النار وهما في روضة خضراء، والمروي ايضا ان جبرائيل اتاه بقميص من الجنة والبسه اياه وجلس معه يحدثه.

فمكث نمرود اياما لايشك ان النار قد اكلت ابراهيم علهيه السلام، ثم ركب فنظر الى ابراهيم والى جنبه رجل جالس فناداه نمرود: يا ابراهيم كبير الهك الذي بلغت قدرته ان حال بين ما ارى وبينك هل تستطيع ان تخرج منها ؟ فقام ابراهيم يمشي حتى خرج فقال له نمرود: من الرجل الذي رايتك معه؟ قال ملك الظل ارسله ربي ليؤنسني ، فقال اني مقربا الى الهك قربانا لما رأيت من قدرته، فقال: انه لا يقبل منك ما لم تكن على دينه ، فقال لا استطيع ترك ملكي ، وعندها استجاب لأبراهيم رجال من قومه لما رأوا تلك الآية على خوف من نمرود فآمن له لوط وكان له أبن اخيه .

ثم امر نمرود بنفي ابراهيم عليه السلام واخراجه من بلاده وان يمنعوه من الخروج بمواشيه وامواله فحاجهم ابراهيم عليه السلام وطلب محاكمتهم فحكم قاضي نمرود برد امواله وخرج ابراهيم عليه السلام من بلدته وموطنه قاصدا (حران) التي تزوج فيها (سارة) بنت عمه، وتستمر قصة ابراهيم عليه السلام.

لقد عاش ابراهيم عليه السلام 175 سنة كما روي عن الامام جعفر الصادق عليه السلام وتوفي في القدس بفلسطين في قرية تسمى (حبروم).

وارض المحرقة باقية آثارها حتى اليوم وقد عرفت باسم الحرقة بسبب سوادها، واهل تلك المنطقة يعتقدون انها هي الارض التي احرق فيها ابراهيم الخليل عليه السلام اما (كي سترنج) فيقول في كتابه بلدان الخلافة الاسلامية: في قرية (كوثي ربا) ثلاث تلال رماد عظيمة ، قالوا هي رماد نار نمرود .